ليس اتفاق واشنطن اتفاق وقف نار، ولا هو آلية جدية لانسحاب إسرائيل من الأرض اللبنانية. في جوهره، هو إعلان تموضع سياسي للبنان الرسمي داخل محور يخدم الرؤية الإسرائيلية ـ الأميركية، في مواجهة إيران ومحور المقاومة.
فالبيان، كما ظهر في مضامينه الأساسية، لا يضع الاحتلال في موقع المسؤولية، بل ينقل مركز الضغط إلى الداخل اللبناني، ويحوّل المقاومة من طرف يواجه العدوان إلى مشكلة داخلية مطلوب حلّها بشروط الخارج. وقد تحدثت تقارير عن اتفاق برعاية أميركية يتضمن وقفاً مشروطاً للنار، وإخلاء جنوب الليطاني من حزب الله، وإنشاء مناطق تجريبية تكون فيها السيطرة حصراً للجيش اللبناني.
بمعنى آخر، ما عجزت إسرائيل عن فرضه بالحرب، يُراد اليوم فرضه عبر السياسة اللبنانية نفسها. إسرائيل التي لم تنجح في إنهاء الحرب وفق شروطها، تُمنح اليوم فرصة الإشراف على حرب داخل لبنان، ولكن بأدوات لبنانية وغطاء سيادي مزعوم.
ومن الطبيعي أن يرى أتباع واشنطن في لبنان هذا الاتفاق إنجازاً سيادياً. فالسيادة في قاموسهم لا تعني تحرير الأرض، ولا منع العدوان، ولا حماية القرار الوطني من الوصاية الأميركية. السيادة، عندهم، تعني فقط مواجهة محور المقاومة، حتى لو كان الثمن تفكيك الداخل، واستدعاء الانقسام، وفتح الباب أمام فتنة جديدة.
ما يجري ليس تفصيلاً عابراً. إنه مسار بدأ يتبلور منذ آب 2025، ثم تقدّم في آذار 2026، ليُراد تثبيته في حزيران 2026 كخيار سياسي نهائي: لبنان في موقع المواجهة مع المقاومة، لا في موقع المواجهة مع الاحتلال. وبذلك تقطف إسرائيل، بأيدٍ لبنانية، ما عجزت عن قطفه في حزيران 1982.
هذا هو جوهر الخطر. أن يتحوّل لبنان من بلدٍ يفاوض على حماية أرضه، إلى بلدٍ يُدفع ليحارب جزءاً من نفسه باسم الدولة. وأن تصبح الدولة غطاءً لمشروع لا يبني السيادة، بل يعيد تعريفها وفق الحاجة الإسرائيلية والأميركية.
إن أخذ لبنان إلى محور إسرائيلي ليس خياراً وطنياً، بل مغامرة مكلفة سيحاسب عليها التاريخ. ومن يظن أن بإمكانه شطب هوية هذا البلد، أو اقتلاع أهله من أرضهم وذاكرتهم، ينسى أن أهل الأرض باقون، وأن تجّار الهيكل السياسي سيرحلون.

