في ظل مؤشّرات متزايدة إلى نية إسرائيل إدخال تعديلات أساسية على مقاربتها للملف اللبناني، تلقّى لبنان معطيات من مصادر دبلوماسية غربية تفيد بأن الولايات المتحدة الأميركية باتت تتبنّى الرؤية الإسرائيلية، التي تدعو إلى قيام لبنان بخطوات «أكثر فاعلية» في مواجهة حزب الله. وبانتظار إظهار لبنان استعداداً عملياً لذلك، لن يُنظر في مطالبه، سواء المتعلقة بالوضع في الجنوب أو بالمساعدات الاقتصادية. وفي هذا السياق، أبلغ الموفد السعودي يزيد بن فرحان مسؤولين لبنانيين أن الرياض لن تُعيد النظر في دعمها المالي قبل إنجاز ملفّي حصر السلاح والإصلاحات المالية.
وأفادت مصادر مطّلعة بأن الفرنسيين كانوا السبّاقين إلى الإشارة لاحتمال تعديل في المقاربة الأميركية ـ الإسرائيلية، استناداً إلى مؤشرات تفيد بسعي واشنطن إلى دفع حوار لبناني ـ إسرائيلي برعاية أميركية مباشرة، من دون أطراف أخرى. واعتبرت المصادر أن هذا التوجّه يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى إقصاء أي أطر تفترض دوراً لقوى دولية، في ظل قرار إسرائيلي بعدم التعاون حتى مع الأمم المتحدة.
وبحسب المصادر نفسها، تقوم الخطة الحالية على تجميد أطر التفاوض القائمة، ولا سيما لجنة «الميكانيزم» التي كان مقرراً أن تجتمع في الرابع عشر من الشهر الجاري قبل إبلاغ لبنان بوجود عقبات تحول دون ذلك. وتبيّن أن هذه العقبات مزدوجة، تتصل بعضويّة اللجنة وباحتمال تجميد طويل الأمد لدور المسؤولة الأميركية مورغان أورتاغوس، مع طرح اسم السفير ميشال عيسى لتمثيل واشنطن. كذلك، لم تعد إسرائيل راغبة في الخوض في البنود التقنية الميدانية، لا سيما بعدما تمسّك مندوب لبنان سيمون كرم في الاجتماعين السابقين بحصر النقاش بعودة الأهالي إلى القرى الحدودية، وربط أي بحث اقتصادي بورشة إعادة الإعمار.
وأظهرت مداولات خارج إطار اللجنة أن إسرائيل لم تعد تعتبر «الميكانيزم» أولوية، في وقت يسعى لبنان للإبقاء عليها للتركيز على تطبيق القرار 1701 أو اعتماد اتفاق الهدنة إطاراً أعلى للتفاهم الأمني. في المقابل، شدّد الإسرائيليون على أن اتفاق الهدنة لم يعد صالحاً، وأن وقف إطلاق النار لا يلبّي هواجسهم الأمنية، مع اتهام الجيش اللبناني بعدم القيام بواجباته جنوب نهر الليطاني.
وتنتظر واشنطن لقاء قائد الجيش مطلع شباط المقبل لاستطلاع توجهاته حيال المرحلة الثانية، فيما يتصاعد الخلاف الأميركي ـ الفرنسي حول جنوب لبنان. وفي هذا الإطار، تفيد المعلومات بأن إسرائيل لم تعد ترغب باستمرار اللجنة الحالية، بينما يضغط الأميركيون منذ مطلع العام لاستبدالها بلجنة سياسية ثلاثية يرأسها مسؤول أميركي رفيع، مع تمثيل لبناني وإسرائيلي على مستوى وزاري أو حكومي.
وفي سياق متصل، حصل السفير كرم على إذن من الرئيس جوزيف عون لعقد لقاء غير رسمي مع إعلاميين، عرض خلاله الأجواء المستجدة، محذّراً من أن تعطيل لجنة «الميكانيزم» يدفع بالمسار نحو المجهول. وأكد وجود تطابق في المواقف الأميركية والإسرائيلية، واستمرار الضغوط، مع مخاوف من انتقالها إلى مرحلة أشدّ.
وأوضح كرم أن جوهر الأزمة يتمثّل في الطروحات الأمنية الإسرائيلية التي وصفها بـ«القاسية جداً» وغير القابلة للتطبيق لبنانياً، مشيراً إلى توافق رسمي على التمسّك بالإطار الحالي، مع الاستعداد لمناقشة تعديلات محدّدة على اتفاقية الهدنة، وهو ما كان أكّده الرئيس عون أخيراً.
كما عبّر كرم عن ريبة لبنانية بعد رفض إسرائيل إصدار بيان يشيد بما أنجزه الجيش في المرحلة الأولى جنوب الليطاني، في مقابل بيان لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تضمّن انتقادات للجيش والدولة اللبنانية.
في المقابل، تتجه الأنظار إلى زيارة مرتقبة لقائد الجيش رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة مطلع شباط، حيث ينتظر الأميركيون عرض تصوّره للمرحلة المقبلة. ومن المتوقع أن يضع مجلس الوزراء في صورة ما يُعرف بالمرحلة الثانية من حصر السلاح، وسط تقديرات بأن الجيش لا يزال في طور تقييم المرحلة الأولى، ويُفضّل إلزام إسرائيل بخطوات عملية على الأرض قبل تقديم خطة تفصيلية جديدة.

