في ظل تصاعد الحديث عن تهديدات أميركية محتملة باستهداف إيران وما قد يرافق ذلك من فوضى إقليمية شاملة، يبدو أن لبنان لن يكون بمنأى عن تداعيات هذا المشهد. وفي هذا السياق، أصدرت السفارة الأميركية في بيروت بياناً أكّدت فيه، بالتعاون مع القيادة المركزية الأميركية، أن إطار التنسيق العسكري الذي أُنشئ بموجب اتفاق وقف الأعمال العدائية المُعلن في 27 تشرين الثاني 2024 لا يزال قائماً ويعمل بكامل فعاليته، من دون أي تعديل في الأهداف أو المشاركين أو القيادة.
وأعلنت السفارة أن الاجتماع المقبل لآلية التنسيق سيُعقد في الناقورة بتاريخ 25 شباط، على أن تتبعه اجتماعات إضافية في 25 آذار و22 نيسان و20 أيار المقبلين.
غير أنّ هذا الإعلان لم يمرّ بهدوء، إذ تزامن بعد ساعات قليلة مع شنّ العدو الإسرائيلي سلسلة غارات عنيفة على مناطق واسعة في الجنوب، استهدفت الأودية الممتدة بين زفتا والنميرية، وعزة وكفروة، والمصيلح وتفاحتا والنجارية. كما طالت إحدى الغارات معرضاً وورشة لتصليح الآليات والجرافات في منطقة الداودية، ما أسفر عن إصابة شخصين بجروح طفيفة، علماً أن المعرض يعود لشقيق صاحب معرض سبق أن تعرّض للاستهداف في المصيلح. وقد أدّت الغارات إلى حالة ذعر واسعة وانقطاع التيار الكهربائي في عدد من المناطق، في وقت سقط فيه شهيد جراء استهداف مسيّرة معادية سيارة على أطراف بلدة صدّيقين، فيما سُجّل تحليق منخفض للطيران المسيّر فوق بيروت وضاحيتها الجنوبية.
ويأتي بيان السفارة الأميركية بعد فترة من تعليق اجتماعات آلية التنسيق، وسط حديث سابق عن توجّه أميركي – إسرائيلي لاستبدالها بلجنة ثلاثية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة فقط. وكان رئيس الجمهورية جوزيف عون قد تحرّك لإعادة إحيائها، بالتوازي مع اجتماع عُقد بين سفيري واشنطن في بيروت وتل أبيب في الأردن، وهو اجتماع أكّد رئيس الحكومة نواف سلام أن الدولة اللبنانية لم تكن على علم به ولا بخلفياته.
هذا التطور أثار قلق الأوساط السياسية، التي رأت في تحديد مواعيد الاجتماعات حتى نهاية أيار دلالة على أن الواقع الميداني سيبقى على حاله لأشهر إضافية، ما يعني استمرار الاعتداءات الإسرائيلية ومزيداً من التدمير. واعتبرت هذه الأوساط أن تأكيد السفارة على الإطار العسكري القائم يوحي بعدم وجود أي اختراق أو تقدّم، لا سيما في الملفات الأخرى العالقة، مرجّحة أن يكون دور التنسيق محصوراً بنقل المطالب الأميركية والإسرائيلية إلى الدولة اللبنانية والجيش لتنفيذها، كما حصل في منطقة جنوب الليطاني.
وربطت هذه القراءة بالتحضيرات الإقليمية لاحتمال انفجار واسع في حال استُهدفت إيران وتوسّعت رقعة الحرب، ما يدفع مختلف الأطراف إلى اعتماد سياسة الانتظار وتجميد أي تسويات محتملة.
طرح جديد من كرم
في موازاة ذلك، كثّف مندوب لبنان في اللجنة، السفير السابق سيمون كرم، لقاءاته السياسية والإعلامية، مؤكّداً أن المفاوضات عملياً في حالة جمود. وكشف أنه يعتزم طرح مبادرة جديدة في الاجتماع المقبل، تقوم على أن تُقدِم إسرائيل على خطوة تجاه لبنان عبر الانسحاب من أحد المواقع المحتلة والإفراج عن عدد من الأسرى، بما يسهّل على لبنان الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني.
وشدّد كرم على أنه يتحدّث باسم الدولة اللبنانية، رافضاً تحميل طرف واحد المسؤولية من دون الإشارة إلى الاعتداءات الإسرائيلية، لكنه أبدى تشكيكه في أن يكون حزب الله قد قدّم للجيش إحداثيات أو معلومات عن منشآت ومخازن أسلحة جنوب الليطاني.
وأوضح أن الأميركيين لم يطلبوا حتى الآن رفع مستوى التمثيل في اللجنة، لكنه لم يستبعد أن يصل المسار إلى هذه المرحلة لاحقاً، مؤكداً استعداده للذهاب إلى تل أبيب للتفاوض في حال حصل على تفويض سياسي رسمي. وفي ما يتعلّق بالمجازر الإسرائيلية، ومنها ما جرى في بنت جبيل، وصفها كرم بأنها جرائم مُدانة لا يمكن تبريرها، مشيراً في الوقت نفسه إلى ادعاءات إسرائيلية بامتلاك أدلة وخرائط تتعلق بإعادة ترميم قدرات حزب الله.
وختم بالتأكيد على رفض الطرح الإسرائيلي المتعلق بما يُسمّى «المنطقة الاقتصادية» قبل عودة الأهالي، معتبراً أن هذا الطرح غير واقعي ولا يمكن فرضه على سكان الجنوب الذين فقدوا منازلهم.


