لا يمكن للأحداث الكبرى أن تُترك معلّقة بلا نهاية، ولا يجوز إدارتها كوقائع مفتوحة بلا إقفال. فالحدث الذي لا يُحاط بمسار واضح لا يبقى في حدود الواقعة، بل يتحوّل إلى جرح مفتوح يتجدّد نزفه مع كل تسريب أو قراءة متسرّعة. والمجتمع الخارج من صدمة عميقة لا يحتاج فقط إلى معرفة ما حصل، بل إلى ضمانة جدّية بأن الحقيقة لن تتحوّل إلى فوضى روايات تُبدّد ما تبقّى من ثقة وقدرة على الاحتمال.
التوصيف الحقوقي ومسؤولية ما بعده
في ملف «البايجر»، لم يكن التوصيف الحقوقي لما جرى تفصيلاً ثانوياً، إذ تعاملت منظمات دولية مع الحادثة على أنها انتهاك جسيم للحق في الحياة والسلامة الشخصية، ما رفع القضية منذ اللحظة الأولى إلى مستوى بالغ الخطورة يستوجب مقاربة دقيقة ومساراً قابلاً للمساءلة. غير أن ما أعقب هذا التوصيف لم يرقَ إلى مستواه؛ فبدلاً من أن يشكّل الإطار الحقوقي مدخلاً لإدارة مسؤولة، تزامن داخلياً مع انفلات في الكلام وتسابق على نشر معلومات غير مكتملة أو غير محقّقة. وهنا تكمن المعضلة: لا يمكن إبلاغ مجتمع بأن ما جرى انتهاك جسيم، ثم تركه أسير سيل من الروايات المتناقضة.
مخاطر المعلومات المجتزأة
المشكلة ليست في المطالبة بالحقيقة، بل في طريقة تفكيكها وتداولها. فعندما تُلقى معلومات جزئية في الفضاء العام بلا سياق، لا تُنتج وعياً بل توقّعات، ومع كل توقّع يتشكّل حكم مسبق يقيّد أي تحقيق قبل أن يبدأ. عندها، لا يعود التسريب خللاً مهنياً فحسب، بل يتحوّل إلى ضغط مباشر على العدالة، يدفعها للعمل في مناخ مشحون ومسيّس بدل أن تتحرّك وفق منطق الأدلة. وقد ظهر ذلك بوضوح في الساعات التي تلت الانفجارات، حين قُدّمت روايات تقنية وأمنية على أنها حقائق نهائية، ما أسّس لإطارات تفسيرية متنافسة يصعب تفكيكها لاحقاً.
مسؤولية الصوت الأقرب
في القضايا الحسّاسة، لا يُقاس أثر الفعل الإعلامي بحجمه بل بتوقيته ووظيفته. فالكلام الذي يسبق اكتمال الأدلة يرسم شكل الفراغ الذي ستُقرأ فيه النتائج لاحقاً. والخطر الأكبر أن جزءاً واسعاً من هذا الخلل يصدر عن أصوات قريبة من مسرح الحدث، تتمتع بصدقية عالية، ما يمنح كلامها وزناً مضاعفاً ويحمّلها مسؤولية أكبر. فالمعلومة الصادرة من موقع قريب لا تُستقبل كتحليل، بل كإشارة، والتلميح لا يُقرأ كسؤال بل كاستنتاج. وعندما يُساء استخدام هذا الموقع، يتحوّل الإعلام من عامل تهدئة إلى عنصر يراكم الشك ويطيل أمد الجرح.
اختلاط الأدوار وضياع المسار
الإشكال الأعمق يتمثّل في الخلط بين أدوار التحقيق والتحليل والتعليق، حيث تُقدَّم الفرضيات الأولية كخلاصات نهائية، وتُستعمل المصطلحات التحقيقية خارج سياقها المنهجي. هذا السلوك لا يربك الجمهور فحسب، بل يضيّق هامش عمل التحقيق نفسه، ويدفعه إلى مواجهة سرديات جاهزة. إن العجز عن التمييز بين الثابت وما يزال قيد التحقق يحوّل الصحافة من سلطة رقابية إلى جزء من المشكلة، ويؤكد أن الاستعجال في الكلام لا يقرّب الحقيقة، بل يؤجّلها ويعطّل التعافي.
الخاتمة شرط التعافي
هذا الطرح ليس دعوة إلى الصمت، فحق المعرفة ثابت ولا نقاش فيه، لكنه يفقد معناه حين يُمارس بلا مسؤولية. فالإغراق بالمعلومات لا يساوي الشفافية، وخصوصاً في بيئة هشّة، حيث يرفع كل تشويش إضافي كلفة «إقفال الملف». وعندما تطول مرحلة «اللاخاتمة»، يتحوّل الملف من مسألة مساءلة إلى عامل إنهاك عام يُستنزف فيه الوعي والذاكرة. الرهان الحقيقي في قضية «البايجر» هو حماية شروط الخاتمة: معرفة ما الذي حصل، وما الذي يمنع تكراره. من دون ذلك، سيبقى المجتمع عالقاً بين الروايات، ويُترك الجرح مفتوحاً باسم المعرفة، فيما الخاتمة ليست ترفاً… بل شرط التعافي الأول.