حين تتحوّل الدولة إلى خصم: قمعٌ باسم «الهيبة»

يبدو أن الانخراط الرسمي في السياسات الأميركية لم يعد مجرّد استجابة لضغوط خارجية أو نتاج عجز داخلي، بل بات خياراً مُعلناً تتبنّاه مؤسسات الدولة بمختلف فروعها السياسية والحكومية والقضائية والأمنية، إلى حدّ التماهي الكامل مع مسار يلتقي عملياً مع ما يريده العدو، ويمنحه الغطاء بدل مواجهته.

الخطورة تتضاعف مع انتقال الهجوم السياسي على المقاومة وبيئتها إلى قلب الخطاب الرسمي. فقد عكست مواقف رئيس الجمهورية جوزيف عون، سواء في مقابلته التلفزيونية الأخيرة أو في كلمته أمام السلك الدبلوماسي، هذا التحوّل بوضوح، فيما زاد صمت رئيس الحكومة نواف سلام حيال أداء وزارات أساسية—كوزارة الخارجية ووزارة العدل والنيابات العامة، إضافة إلى أجهزة وزارة الداخلية—منسوب القلق حول اتجاه الدولة.

وتعزّزت هذه المخاوف بتصريحات سلام من دافوس عن الاستعداد «للذهاب أبعد»، ما يفتح الباب أمام سؤال مباشر عن موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولا سيما في ظل تكرار عون وسلام، في المحافل الداخلية والخارجية، أن بري لا يعارض هذا المسار. بل ذهب عون إلى التأكيد أن بري اتصل به مهنّئاً على مقابلته التلفزيونية.

وإذا كانت معركة حماية المقاومة وسلاحها تخضع لمسارات متعددة، فإن ما يستوجب دق ناقوس الخطر اليوم هو انكشاف الدولة كجهة مستعدة لممارسة القمع الداخلي، سياسياً وأمنياً وقضائياً، عبر إضفاء هالة «قدسية» على مواقع رسمية تُنزَّه عن المساءلة والنقد. وقد بدأ هذا النهج يتجسّد بحملة بوليسية هدفها إسكات الأصوات المعترضة على سياسات الدولة وقواها.

في هذا السياق، تلقّى الصحافي حسن عليق اتصالاً من المباحث المركزية يطالبه بالمثول للتحقيق على خلفية فيديو انتقد فيه رئيس الجمهورية. وأوضح عليق أن المدعي العام التمييزي جمال الحجار قرّر استدعاءه بسبب هذا الفيديو، مشيراً إلى أنه لن يمثل إلا أمام محكمة المطبوعات، ومعتبراً أن الاستدعاء يأتي في سياق تسييس القضاء.

الأمر لم يقتصر على عليق، إذ تلقّى الصحافي علي برو بدوره دعوة مماثلة للمثول أمام المباحث على خلفية محتوى اعتبرته السلطات «مسيئاً» لرئيس الجمهورية.

بالتوازي، شهدت الساحة موجة تصريحات صادرة عن شخصيات مغمورة تطالب بـ«الضرب بيد من حديد» ضد كل من ينتقد موقع الرئاسة، في خطاب يعكس مزاج القصر أكثر مما يعبّر عن تلك الجهات. كما استُنفرت جوقة إعلامية لترويج مقولة أن النقد يمسّ بالمنصب لا بالشخص، في مشهد يذكّر بسيناريوهات سابقة، علماً أن الأصوات نفسها كانت قد شنّت، لسنوات، حملات قاسية على الرئيس السابق ميشال عون من دون أن تواجه أي ملاحقة مماثلة.

ويُذكّر هنا بأن وزير العدل عادل نصار كان قد أكد، خلال اجتماع مع ممثلي وسائل الإعلام بحضور وزير الإعلام بول مرقص، أن القضاء لن يلاحق أو يوقِف أي صحافي بسبب رأيه، وأن المرجعية المختصة في قضايا النشر تبقى محكمة المطبوعات حصراً.

لبنان اليوم يبدو وكأنه يعود لا إلى ما قبل اتفاق الطائف فحسب، بل إلى زمن الصلاحيات المفتوحة، حيث تُستخدم الاستدعاءات والتوقيفات والسجون بذريعة «المساس بالذات الرئاسية». وفي بلد منقسم على كل شيء، تبقى حقيقة واحدة لا تقبل الالتباس: من يرفع شعار الحريات لا يملك حق ملاحقة صحافي أو مواطن أو سياسي بسبب رأي أو نقد.

لا قدسية لأحد سوى الناس، ولا مكان للصمت حين يتحوّل القمع إلى سياسة.

  • تدوينات ذات صلة

    تداعيات المشهد السوري تُعيد ملف «داعشيات» لبنان إلى الواجهة

    يبدو أنّ التطوّرات المتسارعة في سوريا بدأت تُلقي بثقلها مجدداً على الساحة اللبنانية. فمع خسارة قوات قسد مساحات واسعة من مناطق سيطرتها، بما فيها السجون التي كانت تضمّ عناصر من…

    بين الرئاسة والشارع… أزمة تتجاوز الوساطات

    اتّسمت نهاية الأسبوع بتوتّرٍ إعلامي واسع، تَرافق مع استدعاءات قضائية طاولت صحافيين وناشطين على خلفية انتقاداتهم لتصريحات رئيس الجمهورية جوزيف عون التي عُدّت مسيئة للمقاومة وبيئتها. في المقابل، خفّ زخم…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *