فيما كان أهالي أنصار والخرايب وقناريت وجرجوع والكفور يجولون بين أنقاض منازلهم ويتفقدون ما تبقّى من أرزاقهم بعد الغارات العنيفة التي طاولت بلداتهم قبل يومين، اختارت الدولة اللبنانية أن تذهب أبعد في مسار الخضوع، معلنة على لسان رئيس الحكومة نواف سلام، من دافوس، أن «لبنان لا يعارض توسيع مشاركة المدنيين في لجنة الميكانيزم». وفي مقابلة مع «بلومبرغ»، أكّد سلام أنّ «العمل مستمر شمال نهر الليطاني، وقد اتُّخذ قرار بحصر السلاح»، معتبراً أنّ البلاد تعيش «لحظة تاريخية» تمكّنت خلالها الدولة، رغم الظروف القاسية، من «استعادة سيادتها على جنوب لبنان».
غير أنّ هذه المواقف لا تعكس سوء تقدير أو عجزاً عن قراءة المشروع الإسرائيلي بقدر ما توحي بتجاهل متعمّد للعدوانية الإسرائيلية وتماهٍ معها، يصل حدّ تبريرها. فبعد يوم واحد فقط على تصعيد إسرائيلي دموي استهدف قرى ومنازل مأهولة، خرج رئيس الحكومة ليعلن استعداد لبنان لتعيين مدنيين في لجنة كانت إسرائيل و**الولايات المتحدة** قد اتخذتا قراراً بتعطيلها أساساً، في مشهد يطرح تساؤلات عميقة حول وظيفة السلطة التي تشكّلت بعد الحرب.
ويتقاطع هذا المسار مع تصعيد سياسي داخلي يتولّاه سلام ورئيس الجمهورية جوزيف عون، عبر رفع سقف المواجهة مع شريحة واسعة من اللبنانيين واستهداف المقاومة سياسياً، ما يدفع البلاد نحو مزيد من التوتّر، في وقت تعود فيه التهديدات الأميركية إلى الواجهة. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ردّاً على سؤال عن لبنان خلال توقيع ميثاق مجلس السلام في دافوس، أنّ بلاده «ستقوم بشيء حيال حزب الله»، من دون تقديم أي تفاصيل.
هذه التطورات مجتمعة تنذر بتصاعد مستوى التهديد الذي يواجهه لبنان سياسياً وعسكرياً، في ظل رسائل دولية توحي بأن الخيارات محصورة بين تسليم سلاح حزب الله أو الذهاب نحو حرب واسعة. وتزامناً، تتحدّث معلومات عن سعي واشنطن لإبرام اتفاق أمني مع لبنان، لا مجرّد هدنة، وهو ما يُفترض إبلاغه إلى قائد الجيش رودولف هيكل خلال زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة، التي ستشمل البنتاغون ومجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية. وبحسب مقرّبين من السفارة الأميركية في بيروت، سيُشدَّد أمامه على ضرورة تسريع مسار حصر السلاح.
وفي الإطار نفسه، نقلت صحيفة «هآرتس» العبرية أنّ الأجهزة الأمنية الإسرائيلية رفعت خلال الأيام الماضية مستوى الجهوزية تحسّباً لإمكان اتخاذ ترامب قراراً بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، رغم غياب مؤشرات علنية من واشنطن. وأشارت الصحيفة إلى أنّ الجيش الإسرائيلي وسّع نشر منظومات الدفاع الجوي ورفع جهوزيتها، على وقع تهديدات محتملة من اليمن ولبنان، واستعداداً لاحتمال ممارسة طهران ضغوطاً عبر الجبهة اللبنانية، من خلال حزب الله، من دون أن تظهر حتى الآن مؤشرات على نية الدخول في مواجهة شاملة.

